الشيخ محمد رشيد رضا
114
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وفسر هذا الامداد بقوله عز وجل ( 8 : 12 إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا . سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) قال ابن جرير في معنى التثبيتج 9 ص 124 ) « يقول قووا عزمهم وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين ، وقيل : كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم » فأنت ترى انه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم انما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها ، وتصحيح نيتها ، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه « قيل » وجعل قوله تعالى « سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ » الخ من تتمة خطاب اللّه للمؤمنين وهو الظاهر . وبعض المفسرين يجعله بيانا لما تثبت به الملائكة النفوس أي إنها تلقى فيها اعتقاد إلقاء اللّه الرعب في قلوب المشركين الخ وبهذا يندفع ما قاله الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر ان الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالالهام أو تقوية العزائم . ويؤيده قوله تعالى ( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ) كما قال مثل ذلك في هذه السورة . هذا ما كان يوم بدر ، وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا اللّه تعالى . وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من اللّه بذلك وانما أخبر اللّه عن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقا على ثلاثة أمور : الصبر والتقوى وإتيان الأعداء من فورهم ، ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الامداد كما تقدم . ولكن القول أفاد البشارة والطمأنية وبقي أن يقال : ما الحكمة وما السبب في امداد اللّه المؤمنين يوم بدر بملائكة ينبنون قلوبهم وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب ؟ والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملا مع بيان فلسفته الروحانية ، وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال . فان ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك